حبيب الله الهاشمي الخوئي
303
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
هربا وتأخّرا ولحوقا حسيّا ، فلا جرم استعير لفظ الجهة المحسوسة وهي الوراء . وأمّا كونها تحدوهم فلأنّ الحادي لمّا كان من شأنه سوق الإبل بالحداء ، وكان تذكَّر الموت وسماع نوادبه مقلقا مزعجا للنّفوس إلى الاستعداد لأمور الآخرة والأهبة للقاء اللَّه سبحانه ، فهو يحملها على قطع عقبات طريق الآخرة كما يحمل الحادي الإبل على قطع الطريق البعيدة الوحرة ، لا جرم أشبه الحادي فأسند الحداء إليه انتهى وأقول : أمّا ما ذكره في شرح الفقرة الأولى ، ففيه أنّ الظاهر من صدر كلامه حسبما يستفاد من التّمسك بالآية أيضا هو أنّه جعل الغاية في كلامه عليه السّلام بمعنى العلَّة الغائية ، وعليه فلا يستقيم جعل الجحيم غاية للانسان ، بل ولا الجنّة أيضا إذا لغرض من خلقة الانسان هو العبوديّة كما هو نصّ الآية الشّريفة ، وأمّا المثوبة والعقوبة فهما متفرّعان عليها امتثالا وعصيانا ، فلا يصحّ جعلهما غاية ، وأنّ جعل الغاية بمعنى النّهاية فكونهما غاية بهذا المعنى صحيح إلَّا أنّه لا حاجة معه إلى الاستدلال بالآية وإلى ما مهدّه من المقدّمة مضافا إلى منافاته بنصّ قوله : وكان ذلك هو غاية الانسان المطلوبة منه . وأمّا ما ذكره في شرح الفقرة الثّانية ففيه أنّ جعل السّاعة بمعنى الموت إمّا باعتبار أنّها حقيقة فيه عرفا أو شرعا من دون ملاحظة المناسبة بينه وبين معناها اللغوي ، فيتوجّه عليه أوّلا منع الحقيقة العرفيّة أو الشرعية ، وثانيا منع عدم ملاحظة المناسبة على تقدير تسليم الحقيقيّة بأحد الوجهين ، وإمّا باعتبار أنّ إطلاقها عليه بملاحظة أنّ النّاس يسعى إليه حسبما ذكرناه سابقا فيتوجّه عليه أنّ إطلاقها عليه باعتبار أنّ النّاس يسعى إليه مع وصفه بكونه في الوراء باعتبار أنّ النّاس يهرب منه حسبما قرّره ، لا يخفى ما فيه من السّماجة فافهم جيّدا . وقال الشّارح المعتزلي : غاية المكلفين هي الثّواب والعقاب فيحتمل أن يكون أراد ذلك ، ويحتمل أن يكون أراد بالغاية الموت ، وإنّما جعل ذلك أمامنا لأنّ الانسان كالسائر إلى الموت أو كالسائر إلى الجزاء ، فهما أمامه أي بين يديه ،